"كانت ليلة بلا قمر
حين تركت لي حياتي
طريقا فارغا بلا نهاية"
هكذا أدندن
غير أنك حين تركتني كان القمر صحوًا
يملأ السماء والأرض كأنه الشمس
خيوطه تطاردني بين ثنيات الأسمنت
تقضم قلبي من منتصفه
تماما في موضع لقائنا منذ عام.
عام كامل كان كلما أوشك على الاكتمال
يملأني الرعب
تجرجرني الكوابيس من أحلامي
تسخر مني ندوبي
يفجر عقلي سرابُك كلما اقتربتُ.
عام كامل
تحفرني مخاوفي:
"قلبك المسافر في الهواء،
إن لم تلقفه يداه؛
على أي أرض سيتحطم؟"
أي عبث؟
حين نحب أحدهم
عليه أن يختار
وعلينا أن ندفع الثمن؟
عام كامل
تهاجمني دفاعاتي:
"تجهزي للألم
تجهزي للألم.."،
عام كامل
أركض حول قلبي في جنون
صفا
مروة
صفا
مروة
جئت أنت
وضعت قدمًا فوق ما ليكون زمزم
وأخرى فوق صوتي
لفظتني للريح
بعد أن جززت عشبي الذي يمسك بي للأرض.
من كان يصدق؟
أنا هنا
لم أنتهي
الفضاء ليس معتمًا جدا
يؤنسني قمرٌ وحيدٌ
بعيد بعيد
كنت وضعت له اسمك
من أزمان بعيدة.
أنا هنا
بخفة شعاع
وشبحي على الأرض
ذاتها التي ألمحك عليها
ماضيًا كأنني مت
أو متمنيًا أن لم أكن
أنا هنا، رغمًا عنا:
لم أمت.
.....
لم أحب المسابح أبدا
ولا البحار الساكنة
أحببت جلال الموجات
تلك المرعبة قبل إتقانها
علمتني حبَّ أن أبتل.
رغم أني لست سباحة ماهرة
صليت للوصول
لم أتخلَّ عن حلمي أن أصير واحدة
في البحر، في الحب، في الحياة، فيك.
أنت؟
رغم اقترابك الوشيك
لم تفضل دغدغة الرمال
بل ثقة الأسفلت
ولا شقاوة الموجات
بل استقامة الريح
لا أعاصير الألوان
بل دقة الزوايا
لا فورة الانعكاسات
بل ظلال المباني.
ربما لو وعدتك موجة أن تحملك على أكتافها
أن تعبر بك مستقيما
بلا ابتلال
بلا حبس أنفاس
بلا انتظار اللحظة الحاسمة لغلق عينيك
بلا حاجة لمخادعتها لحظة
والقفز معها أخرى
ربما لم تكن أحببت الشواطئ إلى هذا الحد
ربما أمسكت يدي الممدوة
ربما أمسكتها حقيقة لا مجازا.
...
من في العالم تغريه قشور الثمرة ويعزف عن لبها؟
....
يزعجك ندائي بعد أن أوليتني ظهرك
أتفق معك
أن يبتل حذائي وأنا جافة تماما على الشاطئ
أمر مزعج
لكني لا أهتم
أرغب بجنون أن تنظر خلفك
أرغب بجنون أن تسمعني
أن تخلعه، حذاءك
أن تخطو
-حقيقة لا في خيالك-
تبتل
تبتل
وترى أن العالم لا ينهار
أنك أقوى
أضعف
أجمل.
....
لمني كما تحب أن تفعل
لُم أخطائي الفادحة
انفعالاتي المركَّبة
عيوبي القاتلة
حتى قل إن عطبي غير قابل للإصلاح.
لُم الطقس
والوقت
والاحتباس الحراري
والكوفيد
والطائرات.
لم الأطفال
والكبار
والعائلة.
لم السياسة
ونشرات الأخبار
والمرضى
وضميرك
وجداول العمل.
ولا تلم انقلاب يقينك
وتشقق عزمك.
ولا تلم لحظات شكك
لا تلم سطوتها
ولا قلبك المسحور بها
يلبي كلما نادتك لرحابة الوحدة على الأسفلت
لأنه الأسهل.
...
دع لي أوزار العالم
لن أهتم
لأني أرغب بجنون أن تسمعني
ضعها فوق رأسي
على أكتافي
سددها في قلبي
وفقط
بينما تفعل
انظر في عيني
حقيقة لا مجازا.
March 2021
لو أن وحشا ضاريا
جميل المحيا
إنسي الوجه
أهدى ذكاء الأبالسة
ومعرفة الجن
وتصويب الصيادين
لو رماني ببلطة
لو أنها شقت صدري
لو أنه غنى
وهو يشق طريقه إلي
لو أنه فتح صدري كما الباب
لو أنه أكل قلبي
وهو ينبض بين فكيه
لو مضغه بنهم
وابتلعه في تؤدة
لو أن دمائي أغرقته
لو أنه مضى لاعقا يديه
لو أنه لم يحب سماع صوتي
ولا نظرة أخيرة لعيني
لو أنه طمس اسمي
لكان أنت.
7 October 2021
سم ماشيفاه
غادرت السيدة رفيدة لقاء اجتماعيا سمته صداقات جديدة، لم تتبادل فيه سوى مجاملات أقرب للرسمية مع بعض السيدات اللاتي وإن رحبن بها لم يبد عليهن رضا كافٍ لضمها لجلسات النميمة الخاصة، لم تكترث إطلاقا، رغم أنها للحظة تحمست للانخراط بينهن، لكنها -فكرت- عمليا؛ لم تكن لتحتمل زحام رأسها كثيرًا، بدت المسافة التي لم يفتحوها للمرور بينهن آخر مخرج من الفخ، لم تفوته.
تقطن السيدة رفيدة في شارع ضخم، يقصده الكثيرون للتسوق وغيره، لذا لم يكن غريبا أن تقابل أي معارف لها مروا في حياتها يوما. ابتسمت مبتهجة بفرح حين قابلت عائلة صديقيها القدامى؛ هيثم عبد العزيز وزوجته رانيا يحملان طفليهما، كانا في طريقهما إلى المطعم، تبادلا التحايا وسألاها عن زوجها وأبنائها، أخبرتهما أنهم جميعا بخير حال، ودعتهما للتزاور يوما، حين يستقر أبناؤها في المدينة.
التفتت لتجد الدكتور أماني وزوجها على بُعد خطواتٍ قليلة،يستعدان لركوب السيارة، وجلت للحظة قصيرة، لكنهما لوحا بأيديهما، وأرسلت لها أماني سلامات عديدة عبر الهواء.
دكتورة أماني، طبيبة العيون التي أنقذتها وزوجها ذات مرة حينما وضعت قطرة بالخطأ فسببت لها ألما شديدا ولم تكن قادرة على فتح عينيها. كانا قد تصادقا إلى حد ما أثناء الفحص في العيادة، ورغم أن بنايتها ليست بهذا القرب من بناية سكنهما لكنها سارعت لنجدتها. لم يكن هذا وحده السبب لامتنان السيدة رفيدة لها. كان السبب الأساسي هو أنه في اقتحامها لبيت رفيدة لإسعافها بعد أن ظلت تصرخ من الألم وهي تحدثها في الهاتف، ونادت أماني على الأبناء، ردت رفيدة في انهيار ألمها صارخة: "مفيش آسر! مفيش روز! معنديش عيال!"، لم تعقب أماني بكلمة، فقط اتصلت بزوجها طالبة أن يأتي ليقلهم إلى المستشفى.
شعرت بالارتياح وهي تفكر؛ لابد أنهما لم يسمعاها.
تذكرت في طريقها إلى مصعد بنايتها أنها تحتاج بضعة أشياء من السوبر ماركت، لزوم ليلة طويلة في السرير، وفضلت الذهاب بنفسها إلى المحل الصغير في الشارع المتفرع جانب بنايتها.
في الداخل كان الحاج عبد الحي، الرجل الطيب كما ينبغي للأجداد أن يكونوا، يصلي على كرسيه في أحد الأركان، بينما كريم مشغول بتلبية طلبات إحدى الزبائن. كريم شاب متقد الذكاء، لم يجد أفضل من معاونة الحاج لتغطية نفقاته أثناء تحضيره للماجستير والآن الدكتوراة، وجد فرصًا بالطبع لكنه فقط لم يجدها أفضل. رغم صغر سنه نسبيًا كان على قمة من تكن لهم رفيدة أعلى تقدير.
ابتسمت له بنصف فمها حين نظر وهي تنتظر في صبر، كان مريحًا لها أنها تعرف أنها لا تحتاج لتكلف أكثر. قاطع سكينتها المؤقتة جملة عالية:
"بعد إذنك... يا مدام"، جاءت (مدام) ساخرة ومريرة.
تحفز كريم وبدا دفاعيًا، لكنها أشارت له أن لا بأس بهزة رأسها ويديها.
كان القائل هو الأستاذ محمد فتحي، صاحب مكتب الاستيراد والتصدير في بنايتها، كان تجده لطيفا وغير مؤذٍ، ترمل مبكرًا وتزوج ابنه، كان هذا ما أخبرها الحاج عبدالحي، قال: "ما تفهمينه هو أن ابنه لن يزعجك، كما أنه موافق على مساعدتك في رعاية والدك، لو تسأليني فهو رجل شهم ".
كان محمد فتحي يراها في الجوار كثيرا أو هكذا ظن، بنظارتها الشمسية التي قل أن تخلعها حتى في المصعد، وملامحها الهادئة الخالية من التعبير، وكان يشعر انفجارا غامضا في صدره في كل مرة يلمحها. قرر أن عليه أن يتزوجها يوم أن رآها تجلس بجوار الحاج عبدالحي وسأله لاحقا عنها، كانت بلا نظارة شمسية، بضحكات صافية، أحب صوتها فورا.
لم يكن الحاج عبدالحي يعلم كم تثمن رفيدة دقائقها معه، حتى أن الشاي الذي يعده لها وتقبل كل مرة الجلوس لشربه، لم تكن تشربه إلا معه. كان يواسيها ويذكرها بثواب رعايتها لأبيها المسن، وكانت تستطرد في حكي ذكريات تدللها عليه حين كانت صغيرة وكان بصحته. كانت عيناها تلمعان بحب، حتى أنه قال لكريم أنه يغبط الرجل، وطلب أن تخبره حين تسمح صحته بالزيارة.
جاء رد رفيدة -منسوبًا إلى أبيها- بالرفض. تفاجأ الحاج الذي ظن أنه سيكون هناك أخذٌ ورد، لكنه لم يعلق. وحده كريم ابتسم بحزن وهو يحرك وجهه في تعبير معاتب، وحده كريم كان يعلم أن أباها قد توفي منذ زمن بعيد، وحده يعلم أنها لم تصحح خطأ الفهم من الحاج عبدالحي حين تحدث معها عن أبيها أول مرة؛ فقط لأنه يسمح لها بالحديث عنه دون حزن، وكأن أفعال المضارع تستحضره إلى واقعها بدلا من ذاكرتها فقط.
التفتت رفيدة إلى محمد فتحي بجانبها، بوجهه المحتقن، تتناثر منه تذمرات خافتة قصد منها أن تسمعها وحدها، عن "قلة الأصل والكذب". كانت قد علمت من كريم أنه زارهم من أيام قليلة، هائجًا ومائجًا بعد أن أكد له أحد الجيران أنها متزوجة منذ سنوات طويلة، وهو ما أكده كريم لعلمه المسبق برغبتها في ذلك.
لم تغضب، كانت تموت من الملل على أي حال، قررت العبث معه، تحركت لتتجاوزه لكنها وقفت أمامه، أزاحت نظارة الشمس قليلا على أنفها، وردت:
"آنسة، إذنك معك"، وغادرت المكان.
...
بعد أن انتهت من حمامها الدافئ، أعدت جلستها على السرير بما يليق بليل طويل وأرق مألوف، ربما يسمح لها بنوم ساعة أو ساعتين على أقصى تقدير. كتبها على يسارها، طعامها أمامها، وعلى يمينها صورتين، إحداهما لأبيها بوجهه القوي والحنون، والأخرى لأحدهم، خُطَّ عليها بأحبار بعضها قديم جدا.
على إحدى المنتديات كتبت تجادل؛ "مس هافيشام كانت مجنونة لأن قلبها وإن كان جريحا ظل معها، لو أنها فقدته كاملا لم تكن لتشعر على الإطلاق".
هكذا انقضت ليلتها وأشرق صبح آخر على شقتها التي لم يسكنها أحدٌ سواها منذ ثمانية عشر عاما.
December 2021
أنا لأمي
حدة الصداع المتكررة مع الحركة
الظفر المكسور دونما سبب
ودونما سبب يشتبك مع الملاءات
وحتى مع تدفق الماء من الصنبور.
الألم الفادح من الإصبع المصر على الشجار برأسه
التين الشوكي حين تأكله ظانًا أنك آمن
وتلسع حلقك شوكة جاسوسة.
أنا لأمي
الأصفر الفسفوري في لوحة ناعمة الألوان لخليج هادئ
الأثاث البني بلون الحشرات التي نسميها "فولدمورت "،
"الذي لا يجب ذكر اسمه " ؛ تجنبا لانقباض المعدة.
الذنب الذي تقسم ألا تعود له وتعود .
.تيبس أملك في الجدوى
تحشرج الصوت حين تظنه للأبد
قصة الشعر التي لم تلائم وجهك
رغبتك المكبوتة في قفزة زمنية تنهي شعثها الحاد
. وترسله في ضفائر طويلة جميلة
أنا لأمي
ضرس العقل الذي لم ينبت بعد
الذي يئن تحت السطح
ضرس العقل الذي يجوس بين إخوته بغربة عمياء
...
قنبلة موقوتة طمسَت أرقامها ولا تزال تعد
...
أنا لأمي
شمس الشتاء الجميلة حين تصر على دخول عينك
التطبيق على جهازك لتنظيم الوقت حين يمطرك بالإشعارات كلما بدأت العمل
قطة تترك طعامها الدافئ لتصر على تقطيع أكياس الورق
المنبه الذي لا يرن إلا في العطلات
النافذة الواسعة التي لا تأتي سوى بزقزقات بعيدة وضوء متقطع... وغبار
…
أنا لأمي
كوب الشاي الذي لم يعد ساخنًا لكنه لم يبرد
طبختها الشهية التي ينقصها الملح,
الشوكليت التي تحبها من مصنع جديد
لم تألفها
.قطعها تكسرت كما لم ترغب، ستحب طعمها حين تذوب في فمها على أي حال
أنا لأمي
الطبيب الذي تأخر على موعدها لأن ذبابة وقفت على أنفه فأولاها اهتمامه
المصعد الذي يرتجُّ بالخشونة في رقبتها
الهليكوبتر التي تهدر قربها دون أن تلتفت لكونها تذكرها بانهيار بيتها في الحرب
العصافير التي هجرت ماءها فمسحت عينها في خجل
مزحتها التي لم يفهمها سوى أبي المسافر للانهاية
ابتلاع نبضة مسرعة تقفز عن السرب كلما مر من اسمه اسم ابنها التائه
أنا لأمي
ابتسامة على حين غفلة منا معا
ابتسامة لم أقصدها
و أخرى جمدتها ولففتها بجملة غامضة
كي لا تظن أني على ما يرام
.أو أنِّي سأمد يدي الأخرى
30 November 2017
أكره الحزن إلا إن حمل وجهك
منذ علم ذلك يزورني كثيرًا
أفتح له قلبي، مزاليجه كلها
فيسحبه كما يسحب غريق أول هواء
أوصد عليه ذراعي؛
فقط لأتمعن فيك.
لكنه مثلك يختار كل شيء
أي شيء
إلا قربي.
يفلتني في عبورٍ محطِّم؛
رأسي مزرعة ألغام مفجَّرة،
جسدي أنفاق جيوش رصاص،
.قلبي عملة معدنية لم يكسرها ثقل قطار ضخم، لكن طرفها المعوَّج الآن مؤلمٌ كأبد
عجوزٌ تختصر أسى العالم في تجعيدتين؛ هذه روحي.
**
أكره الحزن وأحب وجهك.
،أكره الحزن ووجهي حين لا تحبني
عجزي كلما غار بي الطريق إليك
يديَّ كلما رددتهما عنك
نَفَسي كلما نأيت بنفسك عني
تخبطي المكلوم كلما حُرِمْتُك
صوتي حين تصر أنه صمت.
**
أكره الحزن وأحب وجهك
يصاحبني ولا ينظر إلى عيني
يصافحني دون أن يلمس
يكتبني شعرًا ويحرمني من تلاوته
يفتح ذراعيه ويغلق أبوابه
يسألني ويمنع الهواء عن صوتي
يسلمني للشمس ويقفل سراديبي
يمسك لي قمرًا ويعذلني في جنوني
يعبر روحي ولا يريد أن أرتج.
**
أحب وجهك
أفتح الصور
يدق قلبي حين تميل في حنو،
للحظة؛ تهدم السنين والتعب
"لكنها تمر"
أحب عينيك الجميلتين
أذكر كيف تلمع رموشها الناعمة
تشع وسط سوادها ككنز مخف
لا يفصح عن نفسه
مثلك.
أحب ابتسامتك
صوتك
يديك
أحبك
لكنك لم تفهم كم فاض قلبي
وكم آلمني ذلك.
لم تفهم أي جنون يبعثره الألم.
15 march 2021