Eman Lotfy
جالسة على كتفه، كتف واحد لا غير، كان يكفيني و دون أن أسأل كيف، و هو بأريحية التفاتاته حوله و خطواته الواسعة التي تقضم الأرض بنهم، وأنا بجلستي الآمنة، بدا كما لو أن من غير المحتمل أن أسقط أبدا كالحلم .. خفيفة كيمامة تجلس بریشها و لا سيقان وناعما كهواء مبطن بمغناطيس خفيف، ( لم أكن ألمسه تماما .. كان ثمة هذا الفراغ المعلق)، يميل فأميل و لا أقع، ولا أخشى النظر إلى الأرض التي بدت بعيدة بعيدة هنا، أنزلق قليلا فيعيدني بهزة كتف، شعري وحده تشابكت خصلاته في شعره، كيدين منسيين في مصافحة طويلة، يضحك فجأة وأضحك، أتكلم ويتكلم في نفس اللحظة، لم أسمع صوته و لم ، يسمعني كان يقول شيئا فهمته مباشرة كما فعل هو كان ثمة بهتان يتسلق الأصفر في الرمال تحتنا و على ... امتداد البصر في المشهد حولي
و كان خلل ما ، أرى ذقنه لأول مرة و لكن من أسفل، عيناه على فتحتي أنفي و خدي المقلوبين ، فتحت
و كان خلل ما أرى ذقنه لأول مرة و لكن من أسفل عيناه على فتحتي أنفي و خدي المقلوبين ، فتحت فمي فسمعت صوته هو ليس صوته بل نبر سريع في اختفائه، كان يقول شيئا ما حين اتكأت ذراعه على رقبتي المقلوبة تحتها فالمني جانب صدره .. أغلقت عيني لأحبس بسرعة نظرة الألم
و عاد صوته صوتي و كان ينفي ما حدث، وكان ينفي برود الحيادية في عينيه المقلوبتين، و كان يؤكد أني "حساسة " ، وكنت أؤيد قوله بنفيي السريع و ابتسامتي المتسعة مع حركة رأسي النافية، حركة رأسي تلك التي تتحرك نحو الأسفل الآن !!! أفتح عيني بسرعة على شهقة كتم الألم صوتها في صدري فجأة، أرى الدموع على حافة أهدابي العليا تستعد لإغراق حاجبي حين طارت في استدارتي و هو يعيدني إلى كتفه
اصطدمت بكتفه لحظة قبل أن يعاود الهواء المبطن خلق الفراغ الخفيف، لم أعد اليمامة من الريش فقط، ربما صرت الآن اثنتين من الريش ! لا أستطيع أن أرى عينيه الآن، أمد إصبع واحد خفية للاستطلاع، شفته استطالت، إذن فهو يبتسم ! ربما لا أزال يمامة من الريش، يمامة واحدة
لم نعاود الكلام، أقول أشياء لم أقلها فلم تصل، وكان صامنا و هو يجد السير في اتجاه السطح المعدني في الأمام، كان لامعا بلونه المزيج من الأزرق و الرصاصي، لم يخبرني أنه من الحديد لكن أجدني أعرف أنه كذلك، بدا كقطع مستطيل من بحيرة قارون، قطع ضخم
على حافته أنزلق من ذراعه إليها، جالسة فوق ساق مثنية و أخرى تتأرجح من الحافة بحرية، وأنا أحاول أن أرفع عيني إلى وجهه كنت أفكر أني أعرف أني أجلس على سطح معدني ( حديدي ) لجراج سيارات مهجورة سياراته الكثيرة و هو مرتكز على عواميد حجرية محلاة بطوب أبيض يشبه الجرانيت، كنا في العراء حيث الرمل بتفاصيل لم أحدق فيها، وحيث ثمة مدينة لا أراها في اتجاه ما أفكر أني أعرف أن ثمة طائر ما عريض في السماء و أن ثمة حجارة في الأرض تحتنا، وأن ثمة ارتفاع ضخم _ بطول العواميد - أجلس في قمته، أعرف كل هذا و لا أعرف كيف تكون نظرة ! عينيه القادمة
متكئ بذقنه على ركبتي المثنية دون أن يلمسها . فقط هذا الهواء صار أكثر ثقلا هنا _ أخبرته عن ذلك الجزء في جانب وجهي الذي تجعله الشمس شفافا و لا يظهر في الصور الفوتوغرافية و لا المرايا و وحدي أفاجئه في الإضاءات الخافتة إذا كانت خلفية، أخبرته أني لم أكن أصدقني إلى أن أخبروني بعدة أشياء لا أراها، كالفراشة المجمدة بعيني السوداوين، وذلك الشج في ذقني أتحسسه فيرونه وحدهم، فقلت لنفسي ربما كنت شبحًا و سأدرك أني مت في عصر ما أو أنني كائن متحول، قهقه بقوة و أنا أخبره أن أحدهم أخبرني يوما و صديقته أني سحلية ! و صدقته .... ضحكته المفاجئة كانت غريبة، كما لو كنت استيقظت لتوي حدقت فيه بدهشة و ابتسامة لا تعرف موضعها بالضبط.
أنتبه لرسم عينيه الغريبتين، شيء ما هنا يسحبني لرائحة قديمة، ثمة تاريخ يملأ أنفي، تاريخ هنا لم يمر علي أو أني قفزت فوقه و لم أنتبه
أتذكر زيارتي طفلة مقبرة اكتشفت حديثا لفرعون صغير مات طفلا، بسقفها المثلث بزاوية حادة، وكل ألوان الحياة في تفاصيل صغيرة على جدرانها و نقوشها، واللون الأصفر الغالب على الجدران بلونه الزاهي كما لو كان يتحدى الموت باستحضاره، كلا ليس هذا، أنظر إلى ملامحه، ثمة تاريخ آخر ينتفض عنه كدقيق من الرمل زاوية الإضاءة تلك توضحه كما لم تفعل أخرى، ثمة انتماء لا أعرف كنهه كنت أبحث عنه وأشمه هنا كأن تتعرف على فرد من عائلتك لم . تره أبدا، كمسقط رأس لم تزره من قبل
أبتعد قليلا فأرى ذلك الخط البارز هناك بجانب صدره، تحركت أصابعي في فضول لتلمسه رغم هذا الهواء، فاجئني بفتح قميصه قبل أن تصل، عدد من السجائر مرصوصة وملتصقة بجلده على شكل سور مربع أزاحها لتكشف عن طبقة رقيقة من الجلد فتحها كما لو كانت غطاء صندوق تحت نظراتي المندهشة كان ثقب هنا يشبه الكهف، ثقب واسع لا يظهر آخره
رغم ضوء الشمس، اقترب به من وجهي أكثر حين رأى
رأسي تمتد، أستطيع الآن أن أرى ذلك الصدع العريض
بطول الجانب كالأخدود و تلك الثقوب المستديرة
تملأ المكان في الداخل، بعضها أحمر الحافة
المستديرة النابضة و بعضها جاف كبئر ميت، أدقق
النظر في أحد الآبار الميتة الجافة، أوشوش نفسي أن
دقة الاستدارة لا توحي بعوامل الطبيعة، ألقط نبضا
خفيفا بطيئا لا يكاد يبين تحت الطبقة الجافة تلك
تجتاحني الرغبة في لمس سطحها و لو كان من فوق
هذا الهواء، يمتد إصبعي بلا وعي لأقرب بئر من
المدخل تصعقني مفاجأة اختفاء الهواء ليسقط إصبعي
عليه، أرتد برأسي ناظرة إليه بفزع، أتجمد في ارتقابي
ردة فعله، يحدق في بجمود قبل أن يمنحني ربع
ابتسامة صغيرة كإشارة بالرضا وحدها ابتسامته أفهمها
نظراته الصامتة تجمد ذهني دون أن أحرك عيني عن
عينه أتردد قليلا قبل أن يتحرك إصبعي بحذر و خفة
على حافة البئر ، أتلمس الجوانب بتردد و حذر زائد و
ترقب يزداد في عيني، يطمئنني الهدوء الصافي من
البرود و الحيادية و الثبات الصامت، أتحرك بحرية
أكبر فوق تفاصيل الاستدارة و تعرجاتها الخفيفة
تشتعل ذاكرتي كلما قارنت التشابه بينها وبين بين تفاصيل ذلك النقش الغائر بجانب رقبتي خلف أذني أتحرك بسرعة أكبر و أنا أقطب في تركيز، كيف يكون لهذا السطح هذا الملمس الغريب، خاصة وأنا أتأكد أن الموت هنا قشرة و أن الجفاف طبقة تحتها تفصلني عن النبض الموجود و إن كان خفيفًا عن غيره، وكأني سألته أخبرني أنه الكي، حدقت، فأخبرني أن الثقب حين يتسع و يتزايد نبضه كصداع مجنون فلابد من لهب ما يخرس سطحه، حرقة تمشت في عيني فبلعت ريقي، قلت أن عليه أن ( يردمه )، كل هذا، كي لا يترك الفرصة للرطوبة أو العطن! قلت له لا أريدك أن تتسمم! .. بابتسامة أخبرني أن التجدد لا يدع المجال.
أتخيل هذا الكي، الحرقة في عيني مجددا، نظرته الصامتة ) أو أني الصماء؟ إصبعي على الحافة، ومض لا يلتقط، أريد استعادة يدي الآن أو أني سأنساها إلى الأبد، الحرقة في عيني ورياح مفاجئة تهب فأشيحبوجهي جانبًا، يتحرك طرف الشال الملقى على رأسي لأجد شعري المار من تحت ذراعي - بجانبي على الحديد _ إليه ! أنظر في غباء قبل أن أدرك أن خصلاتي المتشابكة بشعره كمصافحة منسية مازالت منسية ! لا أستوعب متى ؟ كيف لشعري هذا الطول ؟! أمد يدي لأسحبه فتقاطعني نظرته، ليست لي بل للصوت في السماء خلفي ازدحام من الزقزقات يقترب بسرعة.. عصافير !! أريد الالتفات بكلي لأرى، أرفع إصبعي من الحافة بحرص فتنفجر فيه قبل أن أفعل، أرتد مصعوقة مع صرخته الهادرة و العصافير التي هجمت على المسافة بيننا في شراسة، صنعت كرة حولنا، كنت أصرخ و لم يسمع صوتي فقط الزقزقات الحادة وزمجرته الضائعة و سبابه المتقطع ! لم تعد تهاجمني، إنها له
يحرك ذراعيه بعصبية فيطيح بعدد منهم، لكن... سرعان ما يملأ الفراغ، بدا كمركز مغناطيس يدورون في مداره، أصرخ واقفة برجلي على السطح و أنا ألمحفي الزحام يده على صدره المتألم.. الكهف !! أصرخ وأدور، أتعثر في شعري، أبحث عن سجائره، أجري لهب .. لهب .. أريد اللهب .. أتعثر في شعري، أمسكه و أشد فأقع ولا ينقطع و أنهض، في يدي سجائره المتلاصقة كالسور، أطبقها كحزمة ديناميت، وأذهل كيف السيجارة في طول ذراعي؟ لا وقت!! أفكر: أين القداحة ؟؟ أصرخ ناحيته انظر لى.. انظر لي لا ينظر الراحة ؟؟ أصرخ ناحيته: انظر لي.. انظر لي، لا ينظر، كان يطوح بيديه يضرب العصافير و مسافات الهواء الصغيرة بينها، كانت حوله كسرب النحل حول خليته الحرقة في عيني كالرمل المبتل بماء البحر تسيل إلى خدي فتلهبهما، يتألم، أصرخ أكثر و أنا ألوح له والزقزقات ترشق سمعي، لا أستوعب كلا أصرخ: العصافير هدايا الله .. هدايا الله .. العصافير .. !! يتألم أكثر، يمسك جانب صدره ليحميه بيد و يلوح بالأخرى، أبكي بوجهي الملتهب، أقفز فوق شعري المتراكم في الطريق الآن وأجري الخطوات الفاصلة بيننا ممسكة بسجائره الـ بطول ذراعي تحت ذراعي كمدفع رشاش، أجري له و ذراعه الطائشة تضرب السطحالمعدني في المسافة بيننا، ضربة.. اثنتان.. أجري لأقتحم حصار العصافير .. ثلاث ضربات.. وقرقعة المعدن المقصوم تحت قدمي.. قفزي لأعبر بسجائره إليه.. الفراغ تحتي.. العصافير التي لم تعد هنا.. العتمة المقابلة لعيني فجأة.. الشال الذي يرتفع عن رأسي... لأني أسقط أسرع منه السيارات المهجورة التي تكبر في عيني و أنا أقترب من سطحها أسرع .. صرختي . الوحيدة الممتدة التي لا أسمع سواها
..........
قدمي المعووجة، وذراعاي المتدليان، ورأسي المرتفعة عن الأرض بعدة أشبار لا غير، أتدلى بأكملي من شعري المرفوع لأعلى، شعري الذي يؤلمني حد الخدر الآن، أدرك أني معلقة، وأني لم أمت، وأن المتلألئ هذا على الأرض ليس سوى دموعي تصنع . لوحتها الخاصة
أقف بصعوبة، أرفع عيني إلى حافة المعدن المقصوم حيث شعري و أطراف أصابعه تثبته، أنادي بصوت مبحوح فلم يغادرني أكره شعري المعلقة به الآن، أعرج على قدمي في خطواتي للعامود، أريد أن أقطع شعري على حافة زاويته، أنظر لارتفاع العامود و أتأمله، ثمة شيء ما خطأ ، ثمة ما لا أفهمه هنا.. كيف ؟؟ أتوقف عن التنفس، كيف كان يضعني على هذا الارتفاع ؟ كيف له أن يكون بهذا الطول؟ أتذكر الثقب بجانب صدره، أتذكر يدي داخله، أرفع يدي أمام وجهي و أنظر لها، أضعها أمامي على العامود و أنظر للعامود وأنظر لها ! لحجمها عليه ! يدوي ارتطام بالحديد فوقي أمسك شعري بذراعي و أشده بقوة وأناديه، أجري إلى الخارج رغم ألم قدمي، يضربني ضوء الشمس، أراه أمامي جالسا و ظهره إلي أجري أحوط رأسه بذراعي في خوف، صبيًا في العاشرة كان وكنت أقول كلاما
لي خوف، صبيًا في العاشرة كان وكنت أقول كلاما سريعا مبعثرا، أضم ذراعي أكثر و أقول كلامًا عن الهدايا .. الله.. العصافير .. الأطفال أحباب الله... العصافير ليست العصافير .. ليست الزقزقات.. أسكت سمعي يراقب الهدوء في تحفز، التفت جانبي فجأة، أراه على يميني مستندًا بذراعه إلى السطح المعدني، رافعا قدمه على حجر كبير أمامه والأخرى.. على الأرض أعود بنظري أمامي لأجد ذراعي مطبقتين على حضني.. أغمض عيني وأجلس بهدوء وأفتحهما على عينيه مألوفتي الغرابة تنظران في ترقب تشوبه لهفة، بصمت أنظر له و أقف متجاهلة ذراعه الممدودة.. لم يكن الصبي في العاشرة وإن لمحته هنا، ولم يكن العملاق بطول العامود المستند إلى المعدن والصخر الكبير إلى ركبته كان أطول مني.. طويلا بما يكفي . لأرى ذلك و ألحظه.. ويثبت في ذهني
على طريق أسفلتي بلا معالم، سعيدة بجواره، بعرج خفيف أمشي متكئة على ذراعه بين حين وحين أفكر كيف أننا سنغرق في المدينة مفترقين.. كيف أننا قد نلتقي.. و كيف أننا قد لا نلتقي.. أفكر في ذاكرتنا المثقوبة.. و كيف أنها قد لا تثقب أبدا.. و كيف أنها قد
على طريق أسفلتي بلا معالم، سعيدة بجواره، بعرج خفيف أمشي متكئة على ذراعه بين حين وحين أفكر كيف أننا سنغرق في المدينة مفترقين.. كيف أننا قد نلتقي.. و كيف أننا قد لا نلتقي.. أفكر في ذاكرتنا المثقوبة.. و كيف أنها قد لا تثقب أبدا.. و كيف أنها قد تثقب في هذا الموضع دون غيره. و كيف قد تثقب إلا في هذا الموضع .. أفكر أني لا أعرف نظرته بعد... أفكر أني ربما كنت أهلوس... أضع يدي على ذراعه فألمسها بلا هواء مغناطيسي فاصل... أحدثه فأسمع صوتي.... يحدثني فأسمع صوته ألتفت له و أنا أدرك أني كنت حقا أهلوس.. و أني ربما وقعت على رأسي.. يخرج لي من جانب صدره شالي البرتقالي ملوثا ببعض دمه و مثقوبا بالمناقير .. أضعه على رأسي وأخبره أني سأجد طريقي إلى سحابة بيضاء أقطعها بيدي قطعا صغيرة . أحشو بها الثقوب في صدره
كلها
2010
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق